« أخلاق الحجّ »
* آیة الله العلامة السيد عادل العلوي *
* أهمية الإخلاص :
قال الله تعالى في كتابه الكريم } وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ{ .
لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم ، وتمدّح بخلقه في قوله تعالى : } فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ{ وركّبه من سرّ وعلن وروح وبدن . بدنه من تراب وروحه من أمر ربّه } وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى{ فأودعه أسرار خلقه ، جرمه صغير ولكن انطوى فيه العالم الأكبر ، فدنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى ، فعلّمه الأسماء الحُسنى وفهّمه البيان الأتمّ ، وأناله بخضوعه وعبوديته له سبحانه المقام الشامخ ، فإنّ العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة ، وأنطقه بأقواله سبحانه ، ومن أصدق من الله قيلا ، وأصبغه بصبغته ، ومن أحسن من الله صبغة ، وهداه النجدين : نجد الخير ونجد الشر ، وجعله مختاراً في سلوك الطريقين ، إمّا شاكراً وإمّا كفوراً .
(1) البيّنة : 5 .
(2) المؤمنون : 14 .
(3) الحجر : 29 .
وخلق لروحه وبدنه منافيات وملائمات وآلاماً ولذّات ومنجيات ومهلكات ، فمنافيات البدن الأمراض والأسقام الجسمانية ، وملائماته الصحّة واللذات الجسمانية ، والمتكفّل ببيان تفاصيل هذه الأمراض وكيفية علاجها هو علم الطب ، ومنافيات الروح والآمه هي رذائل الأخلاق وذمائمها التي تهلكه وتشقيه ، وتودي به إلى أسفل السافلين ترديه وتهويه ، فيكون كالأنعام بل أضلّ سبيلا ، وقلبه كالحجارة بل أشدّ قسوةً ، وصحّة الروح رجوعها إلى فضائل الأخلاق ومحامدها ، التي تنجيه وتسعده في الدارين ، وتأخذ بيديه إلى مجاورة أهل الحق عند مليك مقتدر في مقعد صدق ، . . . هذا وأنّ المُتكفّل لبيان هذه الصفات الأخلاقية ومعالجة رذائلها هو (علم الأخلاق) .
وإنّما بعث الله رسوله خاتم النبيين محمّداً(صلى الله عليه وآله) ليتمّم مكارم الأخلاق ، وقد مدحه ربّه في قوله تعالى : } وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم{ وقد أقسم في سورة الشمس بأحد عشر قسماً أنّه } قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا{ حتى قيل أوجب الواجبات الأخلاق الحسنة والمحمودة .
ثمّ البدن ماديّ فان ، وكل من على الأرض فان ، والروح مجرد باق ، وإذا اتّصفت النفس بشرائف الأخلاق كانت منعّمة في السعادة الأبدية ، وإن اتّصفت برذائها كانت في الشقوة والعذاب مخلّدةً .
فعلى المرء الواعي أن يهذّب نفسه ويزكّي أخلاقه ويعالج أمراضه قبل فوات الأوان ، كما أنّ المريض ينبغي له أن يُعالج بدنه وصحته ، وكل شيء إنّما يعالج بضدّه ، فإنّ علاج اليابس بالرطب والرطب باليابس والحار بالبارد والبارد بالحار ، وهكذا أمراض الأخلاق ، فإنّه يعالج مرض الجهل بالعلم ، والبخل بالسخاء ، والكبر بالتواضع ، ومرض الشرّه بالكفّ عن الشهوات ، ومرض الرياء
(1) القلم : 4 .
بالإخلاص . وإن كان يستلزم ذلك التكلّف والمرارة ، فإنّه من أراد أن يُعالج مرض بدنه عليه أن يتحمّل مرارة الدواء وأن يصبر عن المُشتهيات ، وكذلك الروح فلابدّ من احتمال مرارة المجاهدة وشدّة الصبر ، فإنّه سيّد الأخلاق ، فيصبر على فعل الطاعات والعبادات وترك المعاصي والآثام ، ليداوي بالصبر أمراض القلوب ، وإنَّ علاجها أولى من علاج الأبدان ، فإنَّ مرض البدن يخلص الإنسان منه بالموت ، ولكن مرض الروح ـ والعياذ بالله ـ يدوم بعد الموت أبداً ، فالحريّ بمن يخاف على نفسه وقلبه وروحه أن يباشر المعالجة قبل الموت ، فإنّه سيندم يوم لا ينفعه الندم .
ثمّ أصل تهذيب النفس وتزكيتها أن يقف الإنسان على حقيقة نفسه ويرى عيوبها ومهلكاتها ، فمن كملت بصيرته وتمّت حذاقته ، لم تخف عليه عيوبه . ومن عرف الأمراض والعيوب يسهل عليه التداوي والتخلّص منها . وأكثر الناس جهلوا عيوب أنفسهم ، ويرون القذى في أعين الآخرين ، ولا يرون الجزع في عيونهم .
فلابدّ من الاعتدال والحكمة بلا افراط ولا تفريط ، بل خير الاُمور أوسطها ، فإنّ الاعتدال في الأخلاق هو صحّة القلب والنفس والروح ، والميل والانحراف عن حدّ الاعتدال فهو المرض والسقم الذي يخاف منه ، فعلاج النفس بمحو الرذائل والأخلاق الذميمة عن النفس ، وكسبها الفضائل والأخلاق الحميدة ، ثمّ بعد تخلية القلب من الأهواء والأمراض النفسيّة وتحليته بالأخلاق الفاضلة ، ثمّ يسعى من أجل تجليتها وصيقلتها حتى تكون كالمرآة تنطبع فيها أسرار الله وكونه ، وإنّ اُمور الناس ترجع إلى ربهم كما رجوع الإنسان إليه ، فهو الكمال المطلق ومطلق الكمال المستجمع لجميع الصفات الكمالية والجمالية والجلالية بلا نهاية ولا بداية ، فهو الأوّل وهو الآخر .
ثمّ الغالب على أصل المزاج البدني هو الاعتدال ، وإنّما تعتريه العلل المغيرة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال ، وكذلك الروح فكلّ مولود يولد على الفطرة المعتدلة الصحيحة ، وإنّما أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه ، وإنّما المحيط و التربية والتعلّم والتعوّد لها الأثر البالغ في اكتساب الإنسان الرذائل والآثام .
ولمّا كان البدن في ابتداء خلقه لم يخلق كاملا ، وإنّما ينمو ويكمل وتقوى القوى بالنشوء والتربية بالغذاء والماء ، فكذلك النفس تخلق ناقصة ، إلاّ أنّها قابلة للتكامل المنشود في جبلته ، والذي خُلق من أجله ، ليصل بجهده وجهاده إلى كماله وأن يكون مظهراً لأسماء الله وصفاته .
وإنّما تكتمل النفس بالتزكية وتهذيب الأخلاق وتغذيتها بالعلم النافع والعمل الصالح والإيمان الراسخ . وإذا كان البدن صحيحاً ، فشأن الطبيب حينئذ تمهيد القانون وبيانه الحافظ للصحة ، وإن كان مريضاً فشأنه جلب الصحّة إليه ، فكذلك النفس ، فإن كانت سليمة وزكيّة ومهذّبة الأخلاق ، فينبغي السعي من أجل حفظها وسلامة صحّتها وبقائها واكتساب زيادة صفائها وجلائها ، وإن كانت عديمة الكمال فاقدة للصفاء الروحي ، فينبغي الجهد المتواصل لجلب الصحّة النفسيّة إليها .
هذا ومن أمراض القلب الخطرة جداً هو الرياء في النوايا والعمل ، فإنّه كدبيب نملة سوداء في ليلة ظلماء على صخرة صلداء فمن يحسّ بدبيبها؟
ويُقابل الرياء الإخلاص ، والأعمال بالنيّات ـ كما ورد في الخبر ـ ولكل امرئ ما نوى ، والنيّة من عمل الجوانح وهو القصد القلبي نحو العمل المقصود إتيانه والمنشود فعله . ولو كانت النيّة خالصة لله سبحانه فإنّها توجب قبول الأعمال ، فإنّ الكلم الطيّب ـ وهو الذي فيه الإخلاص كما ورد في الأثر ـ يصعد إلى الله سبحانه ، وإنّما يتقبّل الله من المُتّقين ، والإخلاص أساس التّقوى .
وإنّ الشيطان الرّجيم عدوّ الإنسان قد قعد له هو وأعوانه وحزبه بالمرصاد ، ليضلّ الناس ويغويهم } قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الُْمخْلَصِينَ{ .
(1) سورة ص : 82 ـ 83 .
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « طوبى للمُخلصين أولئك مصابيح الهُدى وتنجلي عنهم كلّ فتنة ظلماء » .
وقال (صلى الله عليه وآله) : « العُلماء كلّهم هلكى إلاّ العاملون ، والعاملون كلّهم هلكى ، إلاّ المخلصون والمخلصون على خطر » .
وقال (صلى الله عليه وآله) : « إذا عملت عملا فاعمل لله خالصاً لأنّه لا يقبل من عباده الأعمال إلاّ ما كان خالصاً » .
وقال (صلى الله عليه وآله) : « ليست الصلاة قيامك وقعودك ، إنّما الصلاة إخلاصك ، وإن تُريد بها وجه الله » .
وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « العمل كلّه هباء إلاّ ما اُخلص فيه » .
وقال (عليه السلام) : « ضاع من كان له مقصد غير الله » .
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : « ولابدّ للعبد من خالص النيّة » .
وقال الله تعالى عن لسان نبيّه : } قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُِلأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ{ .
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « إنّ لكلّ حقّ حقيقة ، وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحبّ أن يحمد على شي ء من عمل لله » .
وقال (صلى الله عليه وآله) في حديث : « أمّا علامة الُمخلص ، فأربعة : يسلم قلبه وتسلم جوارحه وبذل خيره وكفّ شرّه » .
وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال :« مَن لم يختلف سرّه وعلانيته وفعله ومقالته ، فقد أدّى الأمانة وأخلص العبادة » .
قال أبو حامد الغزالي في إحياء العلوم في بيان حقيقة الإخلاص ـ بعد أن ذكر
(1) كنز العمّال خ 5268 ـ الدر المنثور 2 : 237 .
(2) الزمر : 11 ـ 12 .
أقوال المشايخ فيها ـ : الأقاويل في هذا كثيرة ولا فائدة في تكثير النقل بعد انكشاف الحقيقة ، وإنّما البيان الشافي بيان سيّد الأوّلين والآخرين ، إذا سُئل عن الإخلاص فقال : (هو أن يقول ربّي الله ثم يستقيم كما امرت) أي لا تعبد هواك ونفسك ، ولا تعبد إلاّ ربّك وتستقيم في عبادته كما أمرك ـ إياك نعبد وإيّاك نستعين ـ وهذه إشارة إلى قطع كلّ ما سوى الله عزّوجل من مجرى النظر وهو الإخلاص حقّاً .
ثمّ من آثار الإخلاص في حياتنا الفرديّة والاجتماعيّة ، وفي العلميّة والعمليّة ، هو تفجّر ينابيع الحكمة وجريانها من قلب الُمخلص على لسانه .
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « قال الله عزّوجل : لا أطلّع على قلب عبد فأعلم
منه حبّ الإخلاص لطاعتي لوجهي وابتغاء مرضاتي إلاّ توليت تقويمه
وسياسته » .
وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : « غاية الإخلاص الخلاص . والُمخلص حريّ بالإجابة ، وعند تحقّق الإخلاص تستنير البصائر ، وبالإخلاص تُرفع الأعمال ، وفي إخلاص النيّات نجاح الاُمور ، ومن أخلص بلغ الآمال ، أخلص تنلآ» .
حريّ أن نكتب هذه الكلمات بأقلام من نور على وجنات الحور ، فما أروع قوله (عليه السلام) : أخلص تنل . كلمتان فقط ، ولكن فيها ما فيها من الأسرار والحِكَم والحقائق ، فإنّ الإنسان إنّما ينال ما ينال بالإخلاص .
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : « إنّ المؤمن ليخشع له كلّ شيء ، ويهابه كلّ شيء ، ثمّ قال : إذا كان مخلصاً لله أخاف الله منه كلّ شيء حتى هوام الأرض وسباعها وطير السماء » .
ثمّ يا هذا هل بعد الإخلاص من مقصود ومنشود؟
وقد قال الإمام الباقر (عليه السلام) : « ما بين الحقّ والباطل إلاّ قلّة العقل ـ أي من يختار الباطل فهذا من قلّة عقله ـ قيل وكيف ذلك ياابن رسول الله؟ قال : إنّ العبد يعمل الذي هو لله رضىً فيريد به غير الله ، فلو أنّه أخلص لله ، لجاءَه الذي يريد في أسرع من ذلكآ» .
هذا في الإخلاص الذي هو من جنود العقل ، ويقابله الرياء ، الذي هو من جنود الجهل ، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه ومبرم خطابه : } وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ{ .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) « لابن مسعود : يابن مسعود إيّاك وأن تظهر من نفسك الخشوع والتواضع للآدميين . وأنت فيما بينك وبين ربّك مصرّ على المعاصي والذنوب ، يقول الله تعالى : } يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور{» .
وقال : « أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة من يرى الناس أنّ فيه خيراً ولا خير فيهآ» .
قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) :« المرآئي ظاهره جميل وباطنه عليل » .
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) :« إيّاك والرياء فإنّه من عمل لغير الله وكّله الله إلى من عمل له » .
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنّ الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به ، فإذا صعد بحسناته يقول الله عزّوجل : اجعلوها في سجّين إنّه ليس إياي أراد به .
وفي حديث آخر : تصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً به ، فيطأُون الحجب كلّها حتى يقوموا بين يدي الله فيشهدوا له بعمل صالح ودعاء فيقول الله تعالى : أنتم حفظة عمل عبدي ، وأنا رقيب على ما في نفسه ، إنّه لم يردني بهذا العمل عليه لعنتي .
وقال (صلى الله عليه وآله) : « إنّ المرائي يُنادى يوم القيامة : يا فاجر يا غادر يا مرائي ، ضلّ عملك وبطل أجرك ، اذهب فخذ أجرك ممّن كنت تعمل له » .
(1) الروايات التي ذكرتها إنّما نقلتها من كتاب ميزان الحكمة المجلد الثالث ، فراجع .
(2) الأنفال : 47 .
(3) كنز العمال : ح 7485 .
وقال الصادق (عليه السلام) : « ما على العبد إذا عرفه الله ألاّ يعرفه الناس؟ إنّه من عمل للناس كان ثوابه على الناس ، ومن عمل لله كان ثوابه على الله وإن كلّ رياء شركآ» .
قال الله عزّوجل كما في حديث قدسي :« أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء فهو للذي أشركآ» .
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :« إنّ الله تعالى لا يقبل عملا فيه مثقال ذرّة من رئاء » .
وقال : يابن مسعود : إذا عملت عملا من البرّ وأنت تريد بذلك غير الله ، فلا ترج بذلك منه ثواباً ، فإنّه يقول : } فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً{ .
وعن شداد بن أوس قال : رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) يبكي ، فقلت : يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال : «إني تخوّفت على أُمّتي الشرك أما إنّهم لا يعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً ولكنهم يراءون بأعمالهمآ» .
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) :« يُجاء بعبد يوم القيامة قد صلّى فيقول : يا ربّ صلّيت ابتغاء وجهك ، فيقال له : بل صلّيت ليُقال ما أحسن صلاة فلان اذهبوا به إلى النار » .
ولكلّ شيء علامة ، وقد جاء في علامة المرائي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) :« أمّا علامة المرائي فأربعة : يحرص في العمل لله إذا كان عنده أحد ، ويكسل إذا كان وحده ، ويحرص في كلّ أمره على المحمدة ، ويحسن سمته بجهده» .
وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : « الإبقاء على العمل أشدّ من العمل » . قال الراوي وما الإبقاء على العمل؟ قال : يَصلَ الرجل بصلة ، وينفق نفقة لله وحده لا شريك له ، فتكتب له سرّاً ، ثمّ يذكرها فتمحى فتكتب له علانية ، ثمّ يذكرها فتمحى وتكتب له رياءآ» .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصف المؤمن : « لا يعمل شيئاً من الخير رياءً ولا يتركه حياءً » .
وفي غرر الحكم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « كلّ حسنة لا يُراد بها وجه الله
تعالى ، فعليها قبح الرياء وثمرها قبح الجزاء » .
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : « ما كان من الصدقة والصلاة والصوم وأعمال البرّ كلّها تطوّعاً فأفضلها ما كان سرّاً ، وما كان من ذلك واجباً مفروضاً فأفضله أن يعلن به » .
فالرياء حرام والمرائي عند الله سبحانه ممقوت ومغضوب عليه وقد شهدت لذلك الآيات والأخبار والآثار كما ذكرنا .
هذا غيض من فيض في أخبار الإخلاص والرياء وبيان حدودهما ، وما يترتب عليهما من الآثار في الدنيا والآخرة .
وبعد هذه الوقفة العاجلة في رحاب عظمة الأخلاق الإسلامية ودورها البالغ في حياة المسلم الرسالي ، وبعد عرض موجز عن الإخلاص والرياء ، وإنّما منشؤهما ومحطّهما هو القلب ، فإنّه العالم بالله وهو العامل لله ، والساعي والمخلص والمتقرب إليه ، وهو الكاشف بما عند الله ولديه ، وإنّما الجوارح أتباع له وخَدَم والآت يستخدمها القلب كاستخدام الراعي للرعيّة ، فهو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله ، وهو المحجوب عنه إذا صار مستغرقاً بغير الله ، فهو الُمخاطب وهو المُطالب وهو المُثاب والمُعاقب ، فيفلح الإنسان إذا زكّاه ويشقى ويخيب إذا دَنّسهُ ودسّاه ، وهو المطيع لله بالحقيقة ، وإنّما الذي يظهر على الجوارح الظاهرية من العبادات أنواره ، فهو سلطان البدن ، وهو العاصي المتمرّد على الله ، وإنّما الساري على الأعضاء من الفواحش آثاره وبظلمانيته ونورانيته تتجلّى المحاسن الظاهرية ومساويها ، فإنّ كل إناء بما فيه ينضح ، وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه
ومن عرف نفسه عرف ربّه ، فتارةً يهوى إلى أسفل السافلين ويكون كالأنعام بل
(1) نقلنا الروايات من ميزان الحكمة 4 : 22 فراجع .
أضلّ سبيلا ، واُخرى يصعد إلى أعلى عليين ، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقرّبين ، ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ، ويترصّد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه ومنه ، فهو ممّن قال الله تعالى فيه : } وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{ . فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدين وأساس السالكين ، فلا تغفل
فلابدّ للمؤمن أن يخلص في نواياه وأعماله وحركاته وسكناته ، حتى يلقى الله وليس في قلبه سواه وذلك هو القلب السليم ، الذي ينفع في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون .
* الإخلاص في الحجّ :
بعد هذه الكلمة الموجزة لأهمية الإخلاص في أعمالنا وعباداتنا ، نأتي لنبيّن أهمية الإخلاص في فريضة الحج بشكل موجز ، فالحاج سواء أكان مؤمناً أم مؤمنةً لابدّ له من الإخلاص في مناسكه وحجه وعمرته . . . فإن الحجّ من فروع الدين ومن العبادات وشرطها الأوّل النيّة الخالصة متقرّباً إلى الله سبحانه وتعالى .
الحجّ من العبادات الدينية والسياسيّة والاجتماعية ذات المفاهيم القيّمة ، روحياً وبدنيّاً ، فرديّاً واجتماعياً ، في جميع جوانب الحياة مع العبادة والاقتصاد والسياسة والثقافة والحضارة والاُخوّة الإسلامية وغير ذلك .
ويكفي في شرافة الحجّ ومقامه الشامخ في الدين الإسلامي الحنيف ، أنّه أحد الأركان التي بُني عليها الإسلام ، فهو من الاُسس الأوّلية التي يعلو عليها الإسلام العظيم ، وتتجلّى فيه روح المحبّة والاُخوّة والصفاء وحكومة الروحانيات على الماديّات ، وكل مسلم متحمّس لدينه يرى في حجّه وعمرته ، أنّ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ، وأنّ هذا الدين القيّم لو تمسك به أهله حقّ التمسّك وطبّقوه في كل زوايا
(1) الحشر : 19 .
حياتهم لحكم العالم ولرفرفت راياته على ربوع الأرض ولو كره المشركون .
فإنّ الإنسان الضائع والبشرية التائهة ، تجد انشودتها وسعادتها في هذا الدين ، فهو يتكفّل سعادة الإنسان في داري الدنيا والآخرة .
فالحجّ يمثّل بوضوح عزّ الإسلام وبقاءه وسلطانه وكرامة المسلمين وشرفهم ، فليس لاُمّة وملّة من الاُمم والملل مثل هذا المؤتمر العالمي العظيم والمشهد السنوي الكبير الحافل بالخيرات والبركات; ليشهدوا منافع لهم ، ليجتمع فيه المسلمون من شرق الأرض وغربها على اختلاف جنسيّاتهم وطوائفهم وأشكالهم وألوانهم ولغاتهم ، ولا يتميز غنيّهم عن فقيرهم ورئيسهم عن مرؤوسهم ، كل واحد منهم اتزر برداء وارتدى بآخر; ليلبّي دعوة الله التي يدوي صداها عبر الأحقاب والأجيال من شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل (عليه السلام) في قوله تعالى : } وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق{ .
فالحج فلاح وصلاح ، وقد أفلح من أقامه ورفع بنيانه كما أمر الشارع به ، وإنّما ركّز القرآن الكريم ورسول الله الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) على الحجّ; لما فيه من المغزى والمعنى الملكوتي ، وأنّه يحتوي على كثير من العبادات والفضائل الأخلاقيّة والخير والإحسان الاجتماعي والثواب الأخروي ، فإنّه من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين فيه .
قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): « من مات ولم يحجّ، فليمت إن شاء يهوديّاً، وإن شاء نصرانيّاً ».
فالحجّ نقلة اجتماعية ورحلة جماهيريّة يتّجه فيها الناس من كل صوب ومكان لأداء فريضة إلهيّة واجبة ، في مكان مقدّس واحد هو أشرف بقاع الأرض مكّة المكّرمة ، وفي زمان واحد من الأشهر الحرم وهو ذو الحجّة المبارك ، ليمارسوا
(1) الحج : 27 .
(2) تفسير ابن كثير 1 : 386 .
شعائر موحّدة ومناسك دينيّة وطقوساً خاصّة ، تجرّد الإنسان عن عالم الماديّات ، وتحلّق بروحه إلى عالم ملكوتي وروحاني ، بلا نهاية إلى الرفيق الأعلى قاب قوسين أو أدنى .
ولكن نوايا الناس مختلفة ، والإنسان على نفسه بصيرة ، ولو ألقى معاذيره وأستاره ، فقد روي في خبر من طريق أهل البيت (عليهم السلام) « إذا كان آخر الزمان ، خرج الناس للحجّ أربعة أصناف : سلاطينهم للنزهة ، وأغنياؤهم للتجارة ، وفقراؤهم للمسألة ، وقرّاؤهم للسمّعة » .
فليس كلّ من حجّ بيت الله الحرام نال الكمال وبلغ العُلى ، بل بشرطها وشروطها والإخلاص أوّل شروطها .
قال الإمام الصادق (عليه السلام) : « الحجّ حجّان : حجّ لله وحجّ للناس ، فمن حجّ لله كان ثوابه على الله الجنّة ، ومن حجّ للناس كان ثوابه على الناس يوم القيامة ».
ولا يخفى من يدخل الجنّة فهو من السعداء لقوله تعالى : } وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِى الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا{ .
فمن كان سعيداً في حجّه ، إنّما يخلص لله في مناسكه ويبتغي وجه الله في أعماله ، ومن عمل للناس فقد خسر الدنيا والآخرة ، فإنّ الدنيا الدنيّة دار ممر ، وأهل الدنيا لا وفاء لهم ، وفي الآخرة كلّ ينادي وانفساه ، وكل يفرّ من أخيه وصاحبته وبنيه وعشيرته التي كانت في الدنيا تؤيه . فمن الحماقة وقلّة العقل أن يعمل الإنسان لغير الله سبحانه ، كما ورد في الخبر الذي مرّ .
قال الإمام الصادق (عليه السلام) : « من حجّ يريد به الله ولا يريد به رياءً وسمعةً ،
(1) المحجة البيضاء 2 : 189 أخرجه الخطيب البغدادي في تأريخه ، ورواه أبو عثمان الصابوني في كتاب المائتين بلفظ آخر كما في المغني .
(2) من كتاب ميزان الحكمة 2 : 276 .
(3) هود : 108 .
غفر الله له البتّة ـ أي قطعاً ـ » .
فمن حجّ ليُنادى في المجتمعات والنوادي : يا حاج فلان ويا حاجّة فلانة ، وليفخر على الآخرين ويتطاول عليهم ، لم يصبه من حجّه إلاّ التعب والنّصب ، والأعمال العباديّة تبطل بالرياء ، فيجب إعادتها وقضاؤها حينئذ . فهل بعد هذا إلاّ الإخلاص في النوايا والعمل؟!
* ختامه مسك :
ولنختم الموضوع بما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في أسرار الحجّ ودقائقه وعلّو معانيه وسموّ مفاهيمه .
روي في مصباح الشريعة عنه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه وأولاده الطاهرين أنّه قال : آ«إذا أردت الحجّ ، فجرّد قلبك لله تعالى من كلّ شاغل وحجاب كلّ حاجب ، وفوّض أُمورك كلّها إلى خالقك ، وتوكّل عليه في جميع ما تظهر من حركاتك وسكناتك ، وسلّم لقضائه وحكمه وقدره ، ودع الدنيا والراحة والخلق ، واخرج من حقوق يلزمك من جهة المخلوقين ، ولا تعتمد على زادك وراحلتك وأصحابك وقوّتك وشبابك ومالك ، مخافة أن يصير ذلك عدوّاً ووبالا ، فإنّ من ادّعى رضا الله واعتمد على ما سواه ، صيّره عليه وبالا وعدوّاً; ليعلم أنّه ليس له قوّة وحيلة ، ولا لأحد إلاّ بعصمة الله وتوفيقه .
فاستعد استعداد من لا يرجو الرجوع ، وأحسن الصحبة ، وراع أوقات فرائض الله وسنن نبيّه (صلى الله عليه وآله) ، وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاوة ، وإيثار الزاد على دوام الأوقات ، ثمّ اغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك ، والبس كسوة الصدق والصفا والخضوع والخشوع ، وأحرم من كلّ شيء
يمنعك عن ذكر الله ويحجبك عن طاعته ، ولبِّ بمعنى إجابة صادقة صافية خالصة
(1) من كتاب ميزان الحكمة 2 : 276 .
زاكية لله تعالى في دعوتك ، متمسكاً بالعروة الوثقى ، وطف بقلبك مع الملائكة حول
العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت ، وهرول هرولة من هواك ، وتبرّأ من حولك وقوّتك ، واخرج من غفلتك وزلاّتك بخروجك إلى منى ، ولا تتمنّ ما لا يحلّ لك ولا تستحقّه ، واعترف بالخطايا بعرفات ، وجدّد عهدك عند الله تعالى بوحدانيته ، وتقرّب إليه ، واتّقه بمزدلفة ، واصعد بروحك إلى الملإ الأعلى بصعودك على الجبل ، واذبح حنجرة الهوى والطمع عند الذبيحة ، وارمِ الشهوات والخساسة والدناءة والذميمة عند رمي الجمرات ، وأحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق شعرك ، وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلاءته من متابعة مرادك بدخولك الحرم ، ودُر حول البيت متحققاً لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه ، واستلم الحجر رضا بقسمته وخضوعاً لعزّته ، وودّع ما سواه بطواف الوداع ، واصف روحك وسرّك للقائه يوم تلقاه بوقوفك على الصفا ، وكن بمرأىً من الله نقيّاً أوصافك عند المَروة ، واستقم على شرط حجّتك هذه ، ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربّك ، وأوجبته له إلى يوم القيامة ، واعلم بأنّ الله تعالى لم يفرض الحجّ ، ولم يخصّه من جميع الطاعات بالإضافة إلى نفسه بقوله تعالى : } وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا{ . ولا شرع نبيّه سُنّةً من خلال المناسك على ترتيب ما شرعه ، إلاّ للاستعانة والإشارة إلى الموت والقبر والبعث والقيامة ، وفضل بيان السبق من الدخول في الجنّة أهلها ، ودخول النار أهلها بمشاهدة مناسك الحجّ من أولها إلى آخرها لأولي الألباب وأولي النهى .
انتهى كلامه صلوات الله عليه وسلامه ، واغتنموا الفرص يا ضيوف الرّحمن ويا حجّاج بيت الله الحرام ، وإنّما يتقبّل الله من المُتّقين الُمخلصين .
(1) آل عمران : 97 .
(2) المحجّة البيضاء 2 : 207 .